في الأسواق المزدحمة بالناس في أوروبا، حيث يبدو أن لكل زاوية طابعها الخاص، يمكن ملاحظة عادات الأكل في القارة بوضوح شديد، تمامًا مثل لوحة الطباشير المعلقة على باب أحد المقاهي. يبحث البريطاني عن وجبة خفيفة ليأخذها معه؛ بينما يجلس الإسباني أو البرتغالي لتناول غداء لا يُعتبر مجرد وجبة طعام بقدر ما هو نشاط ترفيهي، طبقًا تلو الآخر. كل لحظة تقول شيئًا مختلفًا عن الأشخاص الذين يعيشونها. ومع ذلك، فإن هذه العادات ليست ثابتة. إنها تتغير، وتتحول، وتتطور – تمامًا مثل العالم من حولها.
بالنسبة للعلامات التجارية في قطاع الأغذية والمشروبات، قد تبدو هذه الاختلافات أحيانًا بمثابة لغز وهدية مغلفة في حزمة واحدة. فإذا تمكنت من فك الشفرة، فستحصل على مفتاح خزانة المؤن. أما إذا أخطأت الهدف، فستكون مجرد منتج آخر ضائع في أروقة المتجر. في عالم تتغير فيه العادات بسرعة، تتمتع العلامات التجارية التي تتميز باختلافها بشكل ملحوظ وتكون حاضرة في اللحظات المناسبة بفرصة حقيقية للتميز.
ولكن الأمر لا يقتصر على أوروبا. فهذه التغييرات تحدث في جميع أنحاء العالم. وقد قررنا فهمها من خلال أكبر دراسة من نوعها. "لحظات الطلب" هي تلك اللحظات الصغيرة التي يبحث فيها المرء عن وجبة خفيفة أو رشفة أو أي شيء آخر. على مدار ثلاث سنوات، قمنا بتحليل 3 ملايين مناسبة لتناول الطعام والشراب في تسعة بلدان، وقسمناها إلى 14 "لحظة حاسمة".
هذه اللحظات هي المفتاح لفهم ما يأكله الناس ويشربونه، وكيف يمكن للعلامات التجارية التفاعل معهم بطرق ذات مغزى.

ما الذي يكمن وراء هذه الخيارات؟ ما الذي يدفع المرء إلى تناول وجبة سريعة أو الجلوس لتناول وليمة؟ والأهم من ذلك، كيف يتغير كل هذا في هذه اللحظة بالذات؟
لقد قمنا بدراسة متعمقة للمطابخ والمقاهي ومطاعم الوجبات السريعة والوجبات المنزلية في ثلاث قارات. ونحن ننظر إلى تلك اللحظات ونحاول فهم الدوافع الكامنة وراءها. ففهم هذه اللحظات لا يقتصر على الطعام فحسب، بل يتعلق بفهم أنفسنا.
إنه نموذج يدرس الجوانب السياقية والوظيفية والعاطفية للاستهلاك، ويُبرز الاختلافات الإقليمية الجوهرية التي تُحدث فرقًا كبيرًا.
أهم الاختلافات الإقليمية
ألمانيا والمملكة المتحدة: معقلان للوجبات الخفيفة
تعد ألمانيا والمملكة المتحدة البلدين اللذين انتشرت فيهما عادة تناول الوجبات الخفيفة ، حيث لم تعد مجرد عادة ثانوية بل أصبحت سلوكًا راسخًا. ففي المملكة المتحدة، تمثل الوجبات الخفيفة 28% من إجمالي الوجبات، متجاوزةً بذلك وجبة الإفطار التي تبلغ نسبتها 27%. ولا تتخلف ألمانيا كثيرًا عن ذلك، حيث تمثل الوجبات الخفيفة 25%. لا يتعلق الأمر باتجاه عابر، بل بتغيير جذري في الطريقة التي ينظم بها الناس وجباتهم. يحدد نموذجنا "لحظات الطلب" هذا التغيير، خاصة من خلال لحظات مثل "التوقف لشراء وجبة سريعة" و"الاسترخاء على الأريكة" و"مكافأة نهاية الأسبوع" في المملكة المتحدة و"الروتين اليومي بدون متاعب" في ألمانيا.
في ألمانيا، تسود البساطة. تتمحور فكرة "Habitual No Hassles" حول وجبات بسيطة وفعالة ولا تتطلب الكثير من الجهد. فكر في Abendbrot – الخبز والجبن واللحوم الباردة: إنها وجبة بسيطة وذات مغزى وتناسب الحياة اليومية تمامًا. بالنسبة للعلامات التجارية، يعني هذا تقديم منتجات تندمج في هذه الروتينات اليومية دون إضافة أي تعقيد.
في المملكة المتحدة، لا يقتصر تناول الوجبات الخفيفة على كونه مجرد أمر عملي؛ بل هو جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية. تعكس عبارات "توقف واشترِ" و"الاسترخاء على الأريكة" و"مكافأة نهاية الأسبوع" أسلوب حياة يندرج فيه تناول الوجبات الخفيفة بشكل مريح ضمن أوقات الفراغ والراحة. وستكون العلامات التجارية التي تدرك هذه الحقيقة وتقدم وجبات خفيفة شهية وعملية في نفس الوقت في وضع جيد في هذا السوق.
بلدان جنوب أوروبا: الوجبات كطقس اجتماعي
ننتقل الآن إلى جنوب أوروبا – البرتغال وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا – حيث تُعد الوجبات طقوسًا اجتماعية. هنا، تنطوي الوجبات على معانٍ عميقة، بدءًا من المقبلات وصولاً إلى الحلويات، حيث يؤدي كل طبق دوره في تجربة منظمة تتألف من عدة أطباق. يستوعب نموذج "لحظات الطلب" (Demand Moments) الخاص بنا هذه الحقيقة من خلال لحظات الاستخدام الأكثر شيوعًا، مثل "المفضلة لدى العائلة" و"الوقت والجهد" في فرنسا، و"كاملة ومتوازنة" و"بسيطة وصحية" في البرتغال وإيطاليا وإسبانيا.
في فرنسا، تُعد الوجبات مسألة متعة وتقاليد. وتتمحور لحظات "المفضلة لدى العائلة" و"الوقت والجهد" حول الوجبات الفاخرة، حيث يتم إعدادها بعناية، وغالبًا ما تتألف من عدة أطباق، وتُستمتع بها دائمًا بصحبة العائلة أو الأصدقاء. يجب على العلامات التجارية التي ترغب في دخول هذا السوق احترام هذه القيم، وتقديم منتجات تعزز التجربة الذوقية دون إهمال الجودة.
في البرتغال وإيطاليا وإسبانيا، يكمن الأهم في التوازن والبساطة. تعكس مفاهيم "كامل ومتوازن" و"بسيط وصحي" نظامًا غذائيًا غنيًّا بالفواكه والخضروات والحبوب والبروتينات الخالية من الدهون. وغالبًا ما تكون هذه الوجبات قليلة المعالجة ومغذية بطبيعتها. يجب على العلامات التجارية التي ترغب في تحقيق النجاح في هذا المجال أن تركز على المنتجات التي تتوافق مع الروح المتوسطية للتغذية الصحية والسليمة، مع إبراز المكونات الطبيعية واتباع نهج متوازن.
أمريكا اللاتينية: التزام بالتقاليد
بعد عبور المحيط الأطلسي، نصل إلى أمريكا اللاتينية، حيث يُعد الطعام هو الرابط الذي يحافظ على تماسك الحياة الأسرية والمجتمعية. تسود التقاليد، خاصة في البرازيل، حيث تشكل الوجبات الرئيسية أو وجبات الإفطار 85% من الوجبات، بينما تأتي الوجبات الخفيفة في المرتبة الثانية. يوضح نموذج "لحظات الطلب" (Demand Moments) كيف تشكل هذه التفضيلات أنماط الاستهلاك، لا سيما من خلال "الوجبات المشبعة" في المكسيك و"الوجبات الافتتاحية" و"الوجبات الخفيفة" في البرازيل.
في المكسيك، ترتبط لحظات "الوجبات التي تشبع" بالوجبات الدافئة والجماعية التي يتم تقاسمها مع الأحباء. تتمحور هذه الوجبات حول الترابط والاحتفال. يجب على العلامات التجارية التي ترغب في دخول هذا السوق التركيز على المنتجات التي تتناسب تمامًا مع هذه الأجواء الجماعية، لتكمل الأطباق المكسيكية التقليدية وتضيف لمسة من الراحة أو تعزز النكهة.
في البرازيل، الأهم هو بدء اليوم بشكل جيد. تمنح لحظة «بداية اليوم» الأولوية لوجبة إفطار صحية، بينما تعكس لحظة «الوجبات الخفيفة» في المساء تفضيلاً للخيارات السريعة والسهلة. يمكن للعلامات التجارية الاستفادة من هذه العادات من خلال تقديم منتجات توفر وجبة فطور مغذية، مع تلبية الطلب على وجبات أبسط وأقل جهدًا في نهاية اليوم، مما يضمن وجودها في اللحظات الرئيسية التي تهم المستهلكين.

نموذج عالمي بدقة محلية
يُعد نموذج "لحظات الطلب" أداة دقيقة لفهم التفاصيل الدقيقة في طريقة تناول الناس للطعام والشراب والوجبات الخفيفة في مختلف المناطق. ورغم أهمية الاتجاهات العالمية، مثل تزايد استهلاك الوجبات الخفيفة، فإن الفرص الحقيقية تكمن في الفروق المحلية الدقيقة.

الآثار المترتبة على العلامات التجارية
إن فهم هذه الفروق الإقليمية الدقيقة يتيح للعلامات التجارية تكييف استراتيجياتها بفعالية:
- في الأسواق التي تحتل فيها الوجبات الخفيفة مكانة كبيرة، مثل ألمانيا والمملكة المتحدة، يمكن للعلامات التجارية التركيز على تطوير خيارات مبتكرة من الوجبات الخفيفة التي تلبي الأذواق المحلية.
- في جنوب أوروبا، قد تلقى الوجبات الجاهزة التي توفر الوقت، دون المساس بالطعم، قبولاً جيداً لدى المستهلكين.
- في أمريكا اللاتينية، قد تكون المنتجات التي تبرز الجوانب المجتمعية والنكهات التقليدية جذابة بشكل خاص.

